سميح عاطف الزين

410

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ولم تكن نوايا القوم لتخفى على شيخ قريش ، ولكنهم أمامه يبدون نوعا من الذلة والانكسار . فهم يسألونه أمورا عامة ، ويعتبرون المسّ بها أمرا منكرا ومكروها ، لأن حياتهم كلها تقوم عليها . وأما سبب هذا التفكير عندهم - كما كان يقول أبو طالب في نفسه - فلأنهم لم يصغوا إلى ابن أخيه ليعرفوا أهمية التغيير الذي جاء به . . ولذلك رأى الرجل الحكيم أن الموقف دقيق وحسّاس ، وأنه لا يجوز أن يصدهم بالشدة ، كما لا يستطيع ، ولا يقبل أبدا ، أن يجاريهم في العداوة لابن أخيه ، خصوصا وأنهم مخطئون في خصومته . من أجل ذلك كله آثر أبو طالب أن يقول لهم قولا رقيقا ، وأن يردهم ردا جميلا ، حتى عميت عليهم نواياه ، فخرجوا من بيته وهم يسائلون بعضهم البعض : هل إن أبا طالب معنا وضد ابن أخيه ، أما أنه ضدنا وهو على دين ابن أخيه ؟ . لقد تركوا أبا طالب وهم حيارى ، لا يعرفون حقا اتجاهاته وميوله . ولكنّ الشيء الوحيد الذي تأكد لهم ، بعد هذا اللقاء ، هو بقاء الرجل على حماية محمد ، وإصراره على منعه من كل مكروه . . وهذا - في رأيهم - ما يزيد الأمور تعقيدا ، ويجعل الحالة أكثر سوءا . أما من جهته ، فقد ذهب أبو طالب إلى ابن أخيه ، يباحثه في أمر القوم ، وما يبدون من شكاية على أحوالهم ، وما يعرضون عليه ، مجددا ، من المال ، والجاه ، والسلطان ، مقابل أن يتخلّى عن دعوته ، ويعيد لقريش وحدتها ، وسالف عهدها من الاستقرار والأمان . . واستمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى قول عمه . وتفكّر في هذا الضلال الذي يصرّ عليه أولئك القوم ، رغم كل ما بشّرهم به من عزّ في الدنيا ، وفوز من اللّه تعالى في الآخرة إن هم استجابوا لنداء الإيمان الذي